الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
17
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا أوان الشّدّ فاشتدّي زيم * قد لفّها الليل بسوّاق حطم ليس براعي إبل ولا غنم * ولا بجزّار على ظهر وضم باتوا نياما وابن هند لم ينم * بات يقاسيها غلام كالزّلم خدلّج الساقين خفّاق القدم ثم أقبل الحطم في العام القابل وهو عام القضية فسمعوا تلبية حجّاج اليمامة فقالوا : هذا الحطم وأصحابه ومعهم هدي هو ممّا نهبه من إبل المسلمين ، فاستأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في نهيهم ، فنزلت الآية في النهي عن ذلك . فهي حكم عامّ نزل بعد تلك القضية ، وكان النهي عن التعرّض لبدن الحطم مشمولا لما اشتملت عليه هذه الآية . والبيت الحرام هو الكعبة . وسيأتي بيان وصفه بهذا الوصف عند قوله : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [ المائدة : 97 ] في هذه السورة . وجملة يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ صفة ل آمِّينَ من قصدهم ابتغاء فضل اللّه ورضوانه وهم الذين جاءوا لأجل الحجّ إيماء إلى سبب حرمة آمّي البيت الحرام . وقد نهى اللّه عن التعرّض للحجيج بسوء لأنّ الحجّ ابتغاء فضل اللّه ورضوانه ، وقد كان أهل الجاهلية يقصدون منه ذلك ، قال النابغة : حيّاك ربّي فإنّا لا يحلّ لنا * لهو النساء وإنّ الدّين قد عزما مشمّرين على خوص مزمّمة * نرجو الإله ونرجو البرّ والطعما ويتنزّهون عن فحش الكلام ، قال العجّاج : وربّ أسراب حجيج كظّم * عن اللّغا ورفث التكلّم ويظهرون الزهد والخشوع ، قال النابغة : بمصطحبات من لصاف وثبرة * يزرن إلالا سيرهنّ التّدافع عليهنّ شعث عامدون لربّهم * فهنّ كأطراف الحنيّ خواشع ووجه النّهي عن التعرّض للحجيج بسوء وإن كانوا مشركين : أنّ الحالة التي قصدوا فيها الحجّ وتلبّسوا عندها بالإحرام ، حالة خير وقرب من الإيمان باللّه وتذكّر نعمه ، فيجب أن يعانوا على الاستكثار منها لأنّ الخير يتسرّب إلى النفس رويدا ، كما أن الشرّ يتسرّب إليها كذلك ، ولذلك سيجيء عقب هذه الآية قوله : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى .